الشوكاني
150
فتح القدير
في رأسه ، وقيل معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق الشراب ، ويقوى هذا المعنى قراءة مجاهد " يصدعون " بفتح الياء وتشديد الصاد ، والأصل يتصدعون : أي يتفرقون ، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم ، أو في محل نصب على الحال ، وجملة ( ولا ينزفون ) معطوفة على الجملة التي قبلها ، وقد تقدم اختلاف القراء في هذا الحرف في سورة الصافات ، وكذلك تقدم تفسيره : أي لا يسكرون فتذهب عقولهم ، من أنزف الشارب : إذا نفذ عقله أو شرابه ، ومنه قول الشاعر : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا ( وفاكهة مما يتخيرون ) أي يختارونه ، يقال : تخيرت الشئ : إذا أخذت خيره . قرأ الجمهور " وفاكهة " بالجر ( و ) كذا ( لحم ) عطفا على أكواب : أي يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به . وقرأ زيد ابن علي وأبو عبد الرحمن برفعهما على الابتداء ، والخبر مقدر : أي ولهم فاكهة ولحم ، ومعنى ( مما يشتهون ) مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) قرأ الجمهور " حور عين " برفعهما عطفا على ولدان أو على تقدير مبتدأ : أي نساؤهم حور عين ، أو على تقدير خبر : أي ولهم حور عين ، وقرأ حمزة والكسائي : بجرهما عطفا على أكواب . قال الزجاج : وجائز أن يكون معطوفا على جنات : أي هم في جنات وفي حور على تقدير مضاف محذوف : أي وفي معاشرة حور . قال الفراء : في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجر على الاتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى ، لأن الحور لا يطاف بهن ، كما في قول الشاعر : إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا والعين لا تزجج وإنما تكحل ، ومن هذا قول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر : متقلدا سيفا ورمحا قال قطرب : هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى . قال : ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور : ويكون لهم في ذلك لذة . وقرأ الأشهب العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل ، كأنه قيل : ويزوجون حورا عينا ، أو ويعطون ، ورجح أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور . ثم شبههن سبحانه باللؤلؤ المكنون ، وهو الذي لم تمسه الأيدي ولا وقع عليه الغبار ، فهو أشد ما يكون صفاء ، وانتصاب جزاء في قوله ( جزاء بما كانوا يعملون ) على أنه مفعول له : أي يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم . ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف : أي يجزون جزاء ، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الطور وغيرها ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) اللغو الباطل من الكلام ، والتأثيم النسبة إلى الإثم . قال محمد بن كعب : لا يؤثم بعضهم بعضا ، وقال مجاهد : لا يسمعون شتما ولا مأثما ، والمعنى : أنه لا يقول بعضهم لبعضهم أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم ( إلا قيلا سلاما سلاما ) القيل القول ، والاستثناء منقطع : أي لكن يقولون قيلا ، أو يسمعون قيلا ، وانتصاب سلاما سلاما على أنه بدل من قيلا ، أو صفة له ، أو هو مفعول به لقيلا : أي إلا أن يقولوا سلاما سلاما ، واختار هذا الزجاج ، أو على أنه منصوب بفعل هو محكى بقيلا : أي إلا قيلا سلموا سلاما سلاما ، والمعنى في الآية : أنهم لا يسمعون إلا تحية بعضهم لبعض . قال عطاء : يحيى بعضهم بعضا بالسلام ، وقيل إن الاستثناء متصل وهو بعيد ، لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم ، قرئ " سلام سلام " بالرفع . قال مكي : ويجوز الرفع على معنى سلام عليكم مبتدأ وخبر . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( إذا